أحمد بن يحيى العمري
84
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
شاور مدينة مصر خوفا من أن يملكها الفرنج وأمر أهلها وأنقلهم إلى القاهرة فبقيت النار تعمل أربعة وخمسين يوما ، فأرسل العاضد الخليفة إلى نور الدين يستغيث به ، وأرسل في الكتب شعور النساء ، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار يحملها إليهم ، فحمل إليهم مئة ألف دينار ، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة ليقدر على جمع المال ، فرحلوا « 1 » ، وجهز نور الدين العسكر مع شير كوه ( 46 ) وأنفق فيهم المال وأعطى شير كوه مئتي ألف دينار سوى الخيل والدواب والأسلحة ، وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه . أحبّ نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بيته ، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ « 2 » ، ولما قرب شير كوه من مصر رحل الفرنج على أعقابهم إلى بلادهم ، وكان هذا لمصر فتحا جديدا ، ووصل أسد الدين شير كوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر ، واجتمع بالعاضد ، وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية ، وأجرى عليه وعلى عسكره الإقامات الوافرة ، وشرع شاور يماطل شير كوه فيما بذله لنور الدين من تقرير المال وإفراد ثلث البلاد له ، ومع ذلك [ فكان ] « 3 » شاور يركب كلّ يوم إلى أسد الدين شير كوه ويعده ويمنّيه وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً « 4 » ، ثم إنّ شاور عزم على أن يعمل دعوة لشير كوه
--> ( 1 ) : قلت : وما أغفله السياق هو أن العاضد عاود مراسلة نور الدين لما صالح شاور الفرنج على المال المذكور وبذل له ثلث بلاد مصر وأن يكون شير كوه مقيما عنده في عسكر ، وإقطاعهم عليه خارجا عن الثلث الذي لنور الدين ، انظر : أبو شامة : الروضتين 2 / 49 ( 2 ) : سورة البقرة - الآية : 216 ( 3 ) : إضافة من ( أبو الفدا 3 / 45 ) . ( 4 ) : سورة النساء - الآية : 120